المقريزي

245

المقفى الكبير

منهم في البحر خلق كثير . وكان في طريقهم خرق عميق في الأرض فحال بينهم وبين رؤيته الغبار ، فتواقعوا فيه وقت الهزيمة وسقط الخيل والرجال وصار بعضهم على بعض فهلك فيه من الروم خلق لا يحصيهم إلّا اللّه فماتوا كلّهم ، وأسر منهم بعد هذا كلّه ألفا أسير فيهم مائة بطريق . وأخذ من أموالهم وسلاحهم وكراعهم ما يقصر عنه الوصف « 1 » . ونزل من قلعة رمطة نحو ألف علج خوفا وجزعا . وأقام الحسن بن عمّار محاصرا لها ، ووجّه بالقائد والبطارقة والرؤوس وكتاب الفتح إلى مدينة صقليّة ، فخرج إليهم الحسن بن عليّ بالعدّة والعساكر فتلقّاهم فرأى ما سرّه وفرح بذلك فرحا شديدا ، ثمّ انصرف فاعتلّ من إفراط الفرح بحمّى حادّة ومات بعد ذلك بسبعة أيّام لاثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة من هذه السنة [ سنة 352 ] « 2 » . وفتح اللّه قلعة رمطة على يد الحسن بن عمّار لثلاث بقين منه ، فقتل جميع من كان بها من الرجال وسبى النساء ، واستولى على جميع ما فيها من نعمة ومتاع وغير ذلك . ثمّ قدم من صقليّة على المعزّ في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة بالمهديّة ، فخرج معه لحرب أبي خزر يعلى الزناتيّ الثائر « 3 » . ثمّ عاد ، فبعثه في يوم الثلاثاء لتسع خلون من شوّال سنة تسع وخمسين [ وثلاثمائة ] على الأسطول إلى مصر ، فانتهى إلى طرابلس ، وأقلع منها يوم الخميس لثمان بقين من شوّال سنة ستّين وثلاثمائة . ثمّ قدم إلى القاهرة يوم الاثنين رابع ربيع الأوّل سنة إحدى وستّين ، ثمّ لمّا قدم الأسطول في ذي القعدة من المغرب خرج عليه ابن عمّار في ذي الحجّة وسار إلى تنيس ولقي أسطول القرامطة ، فأخذ منه سبع قطع وأسر خمسمائة رجل . ثمّ سار في رجب سنة اثنتين وستّين إلى الحوف « 4 » على عشرة آلاف ، فواقع القرامطة . وما زال بالقاهرة بقيّة أيّام المعزّ وأيّام العزيز . ولمّا احتضر العزيز باللّه بمدينة بلبيس استدعى القاضي محمّد بن النعمان والحسن بن عمّار هذا وأوصاهما بولده أبي عليّ المنصور ومات . فأقيم في الخلافة بعده أبو عليّ ولقّب بالحاكم وسار إلى القاهرة وسنه إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر . فأنفق في المغاربة وكتامة وشرطوا أن لا ينظر في أمورهم إلّا ابن عمّار . وذلك أنّه أعطى لكلّ واحد من شيوخ كتامة لمّا أنفق فيهم من خمسة آلاف دينار إلى ما دونها ، وأعطى شبابهم على أقدارهم . وكان العزيز قد غضب عليهم لخذلانهم القائد جوهر في نوبة هفتكين وعرف الوزير يعقوب بن كلّس ذلك فاطّرحهم حتى ضاعوا وساءت حالاتهم وتفرّق كثير منهم في الصناعات . فتنبّه ابن عمّار [ إلى ] حالهم « 5 » . فاجتمع شيوخ كتامة عند المصلّى خارج القاهرة ، وقد خالفوا على الحاكم . فخرج إليهم ابن [ 373 أ ] عمّار وما زال بهم حتّى أحضرهم إلى القصر وقرّر لهم ما أرضاهم به وأنفق فيهم ، وحلف للحاكم ثمّ حلّفهم وحلف عليه

--> ( 1 ) عرفت الوقعة باسم « وقعة الحفرة » ( النويري : نهاية الأرب 24 / 361 ) ، وعنده أنّ الوقعة دارت في سنة ثلاث وخمسين ، وفي أعمال الأعلام 477 : سنة 352 . ( 2 ) تتضارب التواريخ هنا ، فالراجح أنّ الحسن بن علي توفّي سنة 354 ( انظر ترجمة ماريوس كانار لسيرة جوذر ، هامش 184 ) . ( 3 ) خروج المعزّ إلى باغاية مفصّل في عيون الأخبار 705 . ( 4 ) أي الحوف الشرقي ، في جهة الفرما وتنيس شرقي أسفل الأرض ( اتّعاظ 1 / 167 ، هامش 1 ) . ( 5 ) قراءة ظنّيّة .